العالم

مسرح صدام الإمبراطوريات.. حرب منسية لكنها تهدد البشر شرقا وغربا

 

آخر بوست | عاد البحر الأسود إلى واجهة التوترات الدولية مع تصاعد الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا، في وقت باتت فيه السفن التجارية وناقلات الحبوب والطاقة هدفا مباشرا للمسيّرات والهجمات البحرية. ويثير هذا التصعيد مخاوف متزايدة من اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وسط تحذيرات من انزلاق أطراف إقليمية جديدة إلى دائرة الصراع.

لماذا عاد البحر الأسود إلى دائرة التصعيد؟

في الوقت الذي تتركز فيه الأنظار على تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية ومضيق هرمز، تتصاعد المواجهة البحرية بين روسيا وأوكرانيا في البحر الأسود، لتعيد هذا الممر الحيوي إلى صدارة المشهد الدولي.

وتكتسب هذه الجبهة أهمية خاصة نظرا لدورها المحوري في تجارة الحبوب العالمية، إذ تمثل روسيا وأوكرانيا معا نحو 30% من إنتاج القمح العالمي، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة البحرية ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي في عشرات الدول.

وتعود جذور الحرب الحالية إلى 24 فبراير/شباط 2022، عندما بدأت روسيا عمليتها العسكرية في أوكرانيا، معلنة أن هدفها منع انضمام كييف إلى حلف شمال الأطلسي، بينما استمرت المواجهات العسكرية دون توقف حتى اليوم.

الهجمات على السفن التجارية تتزايد

شهدت الأيام الأخيرة تصعيدا واضحا في استهداف السفن التجارية والعسكرية داخل البحر الأسود.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية استهداف ثلاث سفن شحن قالت إنها كانت تنقل إمدادات عسكرية إلى أوكرانيا، بينما أكدت لاحقا تنفيذ ضربات استهدفت أربع سفن ومنشآت موانئ أوكرانية.

في المقابل، تتهم كييف موسكو باستهداف سفن مدنية تنقل الغذاء والوقود، معتبرة أن هذه الهجمات تستهدف الاقتصاد الأوكراني وتعطل صادرات الحبوب.

كما أعلنت شركة “روس آتوم” الروسية أن مسيّرتين أوكرانيتين أغرقتا سفينة مدنية تابعة لها أثناء إبحارها في البحر الأسود، في حين أكد الجيش الأوكراني مهاجمة أربع ناقلات روسية في البحر الأسود وبحر آزوف.

وأشار قائد قوات الأنظمة المسيّرة الأوكرانية روبرت بروفدي إلى أن قواته استهدفت خلال ثلاثة أسابيع نحو 205 ناقلات، بينها 130 في بحر آزوف و75 في البحر الأسود، في واحدة من أكبر الحملات البحرية منذ اندلاع الحرب.

هل أصبحت جميع السفن أهدافا محتملة؟

تشير تقارير أمنية إلى أن طبيعة الحرب البحرية تغيرت بصورة كبيرة، إذ لم تعد الهجمات تقتصر على السفن العسكرية.

وأفادت تقارير متخصصة بأن العديد من السفن التجارية المحملة بالقمح والنفط والحديد وسلع أخرى تعرضت لهجمات، ما رفع مستوى المخاطر على حركة الملاحة في المنطقة.

ووصفت شركات أمن بحري البحر الأسود بأنه أصبح من أخطر مناطق الشحن التجاري في العالم، مع ازدياد استخدام المسيّرات الجوية والبحرية وتحت الماء في تنفيذ الهجمات.

تركيا وإيران تدخلان دائرة التأثر

لم تعد تداعيات الحرب محصورة بين روسيا وأوكرانيا، بل بدأت تمتد إلى دول أخرى ترتبط مصالحها الاقتصادية بالملاحة في البحر الأسود.

وأدانت تركيا تعرض سفينتين تجاريتين تابعتين لشركتي شحن تركيتين لهجوم بواسطة طائرات مسيّرة بعد مغادرتهما ميناء نوفوروسيسك الروسي، ما أدى إلى إصابة عدد من أفراد الطاقم.

وسبق أن تعرضت سفينة صيد تركية لهجوم قرب سواحل شبه جزيرة القرم في يونيو/حزيران الماضي، أسفر عن سقوط قتيل وعدة مصابين.

وتؤكد أنقرة أن استمرار هذا التصعيد يهدد أمن الملاحة والتجارة، خاصة أنها لعبت دورا رئيسيا في اتفاق تصدير الحبوب عام 2022.

كما شهد بحر قزوين حادثة أخرى بعد استهداف سفينة إيرانية، وهو الهجوم الذي أدى إلى مقتل بحار إيراني، قبل أن تعلن أوكرانيا مسؤوليتها عنه ثم تتراجع لاحقا بعد تصاعد الغضب الإيراني.

وكشف مستشار المرشد الإيراني محسن رضائي أن طهران كانت تستعد لتنفيذ ضربات ضد ثلاثة أهداف داخل أوكرانيا قبل أن تلغي العملية عقب تلقي اعتذار من كييف.

تأثير الحرب على أسعار القمح والطاقة

بدأت آثار التصعيد تظهر بوضوح على الأسواق العالمية.

فقد ارتفعت أسعار القمح العالمية بنحو 15% خلال الشهرين الماضيين نتيجة اضطراب حركة الشحن وتزايد المخاطر في البحر الأسود.

كما تراجعت واردات مصر من القمح إلى نحو 350 ألف طن خلال يوليو/تموز مقارنة بـ400 ألف طن في يونيو/حزيران، ما انعكس على أسعار الطحين وبعض أنواع الخبز غير المدعوم.

وفي تركيا، ارتفعت أسعار الفحم الحراري المستورد من روسيا من أقل من 100 دولار للطن إلى نحو 135 دولارا، بينما تضررت صادرات خام الحديد الأوكراني بعد توقف عدد من عمليات الشحن.

كما سجلت صادرات كازاخستان عبر بحر قزوين تراجعا ملحوظا، وانخفضت الشحنات المتجهة إلى الهند بنسبة كبيرة نتيجة اضطرابات النقل البحري.

شركات الشحن تحذر من أخطر مرحلة

أكدت نقابة البحارة التركية أن شهر يوليو/تموز شهد استهداف 35 سفينة، ما أسفر عن مقتل 23 بحارا وإصابة أكثر من 40 آخرين.

كما حذرت شركة “بالايمون ماريتايم” للاستشارات الأمنية من أن المخاطر بلغت أعلى مستوياتها مجددا، مشيرة إلى أن جميع السفن التجارية أصبحت عرضة للاستهداف بواسطة المسيّرات البحرية والجوية.

بدورها، وصفت مجموعة “سبلاش ماريتايم” المتخصصة في النقل البحري البحر الأسود بأنه أخطر منطقة للملاحة التجارية في العالم خلال المرحلة الحالية.

البحر الأسود… صراع تاريخي يتجدد

لا يقتصر الصراع في البحر الأسود على الحرب الروسية الأوكرانية، بل يمتد إلى تاريخ طويل من التنافس بين القوى الكبرى.

ويقع البحر الأسود بين أوروبا وآسيا، وتطل عليه روسيا وأوكرانيا وتركيا ورومانيا وبلغاريا وجورجيا، ويعد أحد أهم الممرات البحرية للتجارة والطاقة.

وشكل عبر التاريخ ساحة صراع بين الإمبراطوريات العثمانية والروسية، كما شهد حروبا شاركت فيها قوى متعددة من الإغريق والرومان والبيزنطيين والتتار والصليبيين وغيرهم.

واليوم يعود هذا البحر إلى واجهة التنافس الدولي، مع تصادم مصالح روسيا وحلف شمال الأطلسي وتركيا، في وقت أصبحت فيه حركة الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية مرتبطة بشكل مباشر بتطورات الحرب الدائرة في مياهه.

زر الذهاب إلى الأعلى