سلام على ورق.. لماذا يشتعل إقليم تيغراي مجددا؟
آخر بوست | عاد إقليم تيغراي الإثيوبي إلى واجهة الأحداث مع تجدد المواجهات العسكرية وتصاعد التوترات السياسية، رغم مرور سنوات على توقيع اتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب بين الحكومة الفدرالية وجبهة تحرير تيغراي. وتثير التطورات الأخيرة مخاوف من انهيار مسار السلام، في ظل استمرار الخلافات الداخلية وتشابك العوامل الإقليمية المرتبطة بالسودان وإريتريا.
شهدت الأشهر الأخيرة تصاعدا في التوتر بين سلطات إقليم تيغراي والحكومة الفدرالية الإثيوبية، وسط اتهامات متبادلة ساهمت في إعادة إشعال المواجهات على الأرض.
واتهمت الحكومة الإثيوبية جبهة تحرير تيغراي بتنفيذ عمليات تجنيد قسري وتعبئة للمدنيين داخل الإقليم، كما نظمت مظاهرات في العاصمة أديس أبابا للتنديد بهذه الممارسات، بينما اعتبر حزب الشعب الثوري المعارض أن الحكومة تمهد الرأي العام للدخول في حرب جديدة مع الجبهة.
وفي السياق ذاته، أفاد تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش بأن سلطات تيغراي قامت باختطاف وتجنيد رجال وفتيان بصورة غير قانونية لدعم قواتها العسكرية، في حين نفت سلطات الإقليم هذه الاتهامات.
واندلعت الاشتباكات الجديدة السبت الماضي على الحدود بين إثيوبيا وإريتريا، في مناطق كانت قوات تيغراي قد بسطت سيطرتها عليها منذ عام 2025 بعد انسحاب القوات الفدرالية، قبل أن تتوسع سيطرتها إلى مساحات تمتد حتى الحدود السودانية.
واستخدم الطرفان خلال المواجهات الأسلحة الثقيلة، إلى جانب تنفيذ غارات جوية على منطقة شيرارينا، مع تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد الأمني.
ويرى مدير مكتب الجزيرة في أديس أبابا محمد طه توكل أن انتقال القتال إلى المناطق الحدودية مع السودان يمثل مؤشرا على انهيار اتفاق بريتوريا الموقع عام 2022، والذي أنهى الحرب السابقة بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيغراي.
وأضاف أن الحكومة الإثيوبية أبلغت بعثات دبلوماسية بأن مقاتلي تيغراي انطلقوا من داخل الأراضي السودانية، في إشارة إلى ملف اللاجئين الذين فروا إلى السودان منذ اندلاع الحرب الأولى عام 2020، وهو ما يعكس اتساع رقعة الصراع.
ويرى رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية في أديس أبابا نور الدين عبدا أن الأزمة الحالية لا تقتصر على الخلافات الداخلية، بل تتداخل معها عوامل إقليمية، متهما جبهة تيغراي باستغلال فترة ما بعد اتفاق السلام لإعادة تنظيم قواتها ورفض تنفيذ بنود نزع السلاح ودمج المقاتلين، إضافة إلى إقصاء مسؤولين عينتهم الحكومة الفدرالية.
كما اتهم عبدا إريتريا بالتدخل في الأزمة، معتبرا أن أطرافا إقليمية تستخدم جبهة تيغراي لإضعاف استقرار إثيوبيا والمنطقة.
من جانبه، يرى الخبير في الشؤون الأفريقية محمد تورشين أن منطقة القرن الأفريقي تشهد تنافسا إقليميا متزايدا، وأن تحركات الدول المجاورة ترتبط بمخاوف من تنامي النفوذ الإثيوبي، الأمر الذي ينعكس على التحالفات السياسية والعسكرية في المنطقة.
كما يثير تطور الأحداث مخاوف من استغلال المناطق الحدودية مع السودان كممرات لإمداد السلاح والمقاتلين، خاصة في ظل استمرار الحرب السودانية.
ويؤكد الباحث السياسي محمد حامد جمعة أن استقرار الحدود الشرقية يمثل مصلحة مباشرة للسودان، لتجنب تداعيات أمنية وموجات نزوح جديدة، مشيرا إلى أن الخرطوم تسعى للحفاظ على علاقات مستقرة مع إثيوبيا رغم الضغوط الإقليمية.
وتشير التقديرات إلى أن احتمالات اندلاع مواجهات واسعة لا تزال قائمة، في ظل استمرار التعبئة العسكرية، وتعثر تنفيذ اتفاق السلام، وتقارب بعض الأطراف الإقليمية الذي يثير قلق الحكومة الإثيوبية.
كما تواجه إثيوبيا تحديات إنسانية متفاقمة، إذ لا يزال إقليم تيغراي يعاني آثار الحرب السابقة والجفاف، بينما يتوقع أن يستمر انعدام الأمن الغذائي والأزمات الإنسانية حتى نهاية عام 2026، مع استمرار النزاع وتعطل وصول المساعدات الإنسانية إلى العديد من المناطق.