منوعات

“سواد الغيم”.. جوهرة غنائية تونسية صنعها الألم والذكاء الاصطناعي

 

من بين سحب الدخان الأسود، والنخيل الذي أنهكه التلوث، ومياه البحر الملوثة، خرجت من مدينة قابس التونسية أغنية تحمل مزيجا من الجمال والألم، لتتجاوز خلال أشهر قليلة حدود المدينة وتتحول إلى واحدة من أكثر الأغنيات العربية انتشارا على المنصات الرقمية. وتحمل الأغنية توقيع الشاعر والملحن التونسي حسان ثابت، بينما تولى الذكاء الاصطناعي إنتاج الصوت والتوزيع.

وحققت أغنية “سواد الغيم” على قناة “ميكاسا ميوزيك” أكثر من 6 ملايين مشاهدة على يوتيوب حتى 19 أغسطس/آب الجاري، بعدما كانت تقارير صحفية في يونيو/حزيران الماضي تشير إلى نحو 3 ملايين مشاهدة، في قفزة تعكس سرعة انتشارها خلال فترة قصيرة.

ولا تقتصر شعبية الأغنية على يوتيوب، إذ حصدت ملايين المشاهدات عبر تيك توك وفيسبوك وإنستغرام، إلى جانب إعادة نشرها عبر حسابات وصفحات بأسماء مختلفة. كما وصلت إلى مؤثرين ومغنين في دول عربية عدة، واستخدمت كموسيقى خلفية لمقاطع عاطفية ودرامية وبيئية.

 

من صاحب صوت “سواد الغيم”؟

أثار صوت مؤدي الأغنية فضول الجمهور منذ ظهورها، إذ حاول كثيرون معرفة هوية المغني، قبل أن تتضح الحقيقة: لا يوجد مطرب حقيقي يقف خلف الأداء، وإنما صوت جرى توليده باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتوضح المعلومات المرافقة للنسخة الأصلية على قناة “ميكاسا ميوزيك” أن الصوت الغنائي والتوزيع صُنعا بالذكاء الاصطناعي، بينما تعود الكلمات والرؤية الإبداعية إلى حسان ثابت، الشاعر والملحن المنحدر من قابس.

ورغم قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج الصوت والموسيقى، فإنه لا يستطيع بمفرده اختيار قصة قابس أو استحضار رموزها، مثل النخيل والبحر والدخان والعرجون. تلك العناصر جاءت من تجربة إنسانية محلية، ثم تحولت بالتقنية إلى أداء غنائي لامس جمهوراً واسعاً.

https://images.openai.com/static-rsc-4/tjSHXY7ElucblAKloyww3a6_uBlJf8PW1p39DtUPzShBqhfxph6zZRPEWfSoofTORYZPMgOP_DOOz43ERPHqGpNU2PZdM18s_IzZiWbblEpGkqFFKSn5V9B53P0DaAnrcOWU4eLkCgNhEr12gvZjUIB_j030GnigrXjRyRLBIlOkAkHo3hWUTtceCZf3YJC6?purpose=fullsize
https://images.openai.com/static-rsc-4/_iybqnxbuN7Jtk0hlqAUcI1S71EZfrXgtCNlHuPIcuMI8YlKG_G9d5CYeZuij9FuMZvec2Om_ATBoJDUyvb0ThrhhyZ8Q2hTIW94-jh_FCY3ivYwkT53t-ScPgKlWNEYOXh_Z-zoIqIYjInpCWkDWJd5zeYDfxUxIHjGvEQhVFTSCKc3uyQKgcjXR058-TXw?purpose=fullsize
https://images.openai.com/static-rsc-4/394O4AB6m8sK0i_qGJhL9-5p4VICr2EBC_ckwbw1B-TdvRiVJLWVgQDp-eimDJrjc-vWGEKEa_60AuLNfrlZ8cFL5FOdUAHRue8BhH5vdn9IFG6eFXNpQ7s44qYk9JqEiD3JfgHtnieprq08b0Jwkf_Lmk1KJBhzALJKTUqbfVMJsAIBgU4YFbI_fSSpHqcA?purpose=fullsize
6

انتشار تجاوز النسخة الأصلية

لم يتوقف انتشار الأغنية عند النسخة الأصلية، إذ ظهرت تسجيلات وإعادات توزيع عدة، من بينها نسخة على قناة “دادي وشاغي” تجاوزت 87 ألف مشاهدة، فضلا عن آلاف المقاطع القصيرة التي استعانت بأجزاء من الأغنية وربطتها بمشاهد عاطفية أو درامية وصور شخصية.

كما استخدمت المغنية وصانعة المحتوى اللبنانية لمى شريف مقطعا من الأغنية في فيديو حمل عنوان “سواد الغيم يا عذابي”، وحقق على صفحتها في فيسبوك نحو 67 ألف مشاهدة بحلول نهاية مايو/أيار.

وأعادت صفحات عربية تركيب الأغنية على مشاهد من مسلسلات وأفلام، وهو ما ساعد على إخراجها من سياقها التونسي الأصلي. وبات جزء من الجمهور يتعامل معها باعتبارها أغنية حزينة عن الفقد والاختناق العاطفي، من دون معرفة أنها كُتبت أساسا عن التلوث الذي تعاني منه مدينة قابس.

وساعدت كلمات الأغنية على هذا الانتقال، فهي لا تتحدث بشكل مباشر عن المصانع أو المجمع الكيميائي أو الفوسفات، وإنما تستخدم صورا أكثر اتساعا، مثل السواد الذي يغطي اليوم، وضيق النفس، واحتراق القلب وذبول النخيل.

ولهذا يستطيع المستمع البعيد عن قابس أن يفسر الأغنية بطريقة شخصية، وأن يسقط كلماتها على تجربة عاطفية أو حالة من الحزن، قبل أن يكتشف خلفيتها البيئية. وربما كان هذا أحد أسرار انتشارها، فهي لا تصل إلى المستمع في شكل بيان احتجاجي مباشر، وإنما تمنحه أولا تجربة موسيقية وجدانية، ثم تدفعه لاحقا إلى البحث عن قصتها وصاحبها والمدينة التي تتحدث عنها.

ووصف موقع “ميدل إيست أونلاين” الأغنية بأنها نموذج للتكامل بين الإبداع البشري والتكنولوجيا، مشيرا إلى اتساع تداولها في تونس وعدد من الدول العربية.

غيمة سوداء بلا مطر

يبني حسان ثابت نص الأغنية على قلب الصورة التقليدية للغيم؛ فالسحابة عادة ما ترتبط بالمطر والحياة، لكنها في قابس تتحول إلى كتلة سوداء تحجب الشمس وتملأ الهواء بالانبعاثات الصناعية.

ويختصر مطلع الأغنية “سواد الغيم غطى يومك” هذه الفكرة، فالظلام لا يغطي السماء فقط، بل يمتد ليصبح جزءا من حياة المدينة اليومية.

أما عبارة “ذبلت نخلتك، مات عرجونك”، فتحمل التلوث من المشهد الصناعي إلى أحد أبرز رموز قابس الزراعية والبيئية. وبدلا من استخدام لغة التقارير والمصطلحات البيئية، يحول النص آثار التلوث إلى صور يمكن للإنسان أن يراها ويشعر بها؛ اختناق في الصدر، واحتراق داخلي، وجفاف في الجذور وفقدان للحياة.

ويمنح الجمع بين النص المحلي والصوت المصنوع بالذكاء الاصطناعي الأغنية حالة مختلفة، خصوصا أن الكلمات شديدة الارتباط بمدينة محددة، بينما يبدو الصوت بلا هوية شخصية واضحة.

وقد يتحول هذا الأمر إلى نقطة قوة، لأن الصوت الاصطناعي يبدو كأنه صوت جماعي يمكن أن ينتمي إلى أي شخص، وإن كان ذلك يعني في المقابل غياب الخشونة والتفاصيل الإنسانية التي كان يمكن أن يحملها صوت أحد سكان قابس.

ولم يمنع إدراك الجمهور لطبيعة الصوت الاصطناعية تأثره بالأغنية، بل تحول اكتشاف طريقة إنتاجها إلى جزء من جاذبيتها، ودفع البعض إلى محاولة اختبار قدرتهم على التمييز بين الغناء البشري والمحاكاة الرقمية.

الأغنية امتداد لحراك “أوقفوا التلوث”

تعيد “سواد الغيم” طرح القضية التي حملتها حملة “أوقفوا التلوث” لسنوات، لكنها تنقلها من الشوارع واللافتات والمسيرات إلى الهواتف ومقاطع الفيديو القصيرة.

وتأسست الحملة بصورتها المعروفة عام 2017، امتدادا لتحركات واحتجاجات محلية سابقة، وطالبت بوقف الانبعاثات الملوثة، وتفكيك الوحدات الصناعية التي تتسبب في التلوث، وحماية حق سكان قابس في الصحة والعيش ضمن بيئة سليمة.

ووثق موقع “إنكفاضة” تحركات الحملة وغيرها من المبادرات المدنية التي نظمت مسيرات دورية شارك فيها مئات الأشخاص، في وقت ظل فيه ملف التلوث من أبرز القضايا التي تشغل سكان المدينة، إلى جانب البطالة.

ومنذ سبتمبر/أيلول 2023، برزت قابس مجددا في الاحتجاجات البيئية في تونس، إذ أشار تحليل نشره الموقع نفسه إلى أن التحركات المناهضة للتلوث الصناعي شكلت 14% من مجمل التحركات البيئية المرصودة في البلاد.

وربما نجحت الأغنية في إيصال الرسالة إلى جمهور أوسع مما تستطيع البيانات والاحتجاجات السياسية الوصول إليه؛ فقد اختزلت عقودا من التلوث في كلمات وصور موسيقية قليلة، ومنحت القضية لحنا يسهل حفظه وتداوله وإعادة استخدامه، لتصبح “سواد الغيم” صوتا فنيا لمدينة تبحث عن هواء أنظف وحياة أكثر أمانا.

زر الذهاب إلى الأعلى