مصر

ماذا فعلت مصر لمواجهة خطر نقص المياه؟

 

عاد ملف الأمن المائي المصري إلى واجهة النقاش مجددًا مع تزايد المؤشرات المتعلقة بتراجع معدلات الأمطار في الهضبة الاستوائية، رغم تأكيد خبراء المياه والمناخ أن الوضع لا يدعو إلى القلق المباشر، نظراً لاستمرار معدلات الهطول الجيدة حول بحيرة فيكتوريا، بينما يبقى الجزء الأكبر من مياه النيل الواصلة إلى مصر معتمداً على الهضبة الإثيوبية.

ويجمع مختصون على أن مصر تواجه تحديات مائية متزايدة، في ظل ثبات حصتها من مياه النيل عند 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، مقابل ارتفاع مستمر في عدد السكان وزيادة الاحتياجات المائية، إلى جانب استمرار الخلاف مع إثيوبيا بشأن إدارة مياه النهر.

تراجع نصيب الفرد واتساع فجوة المياه

وتشير البيانات إلى أن نصيب الفرد من المياه في مصر تراجع بصورة كبيرة خلال العقود الماضية، بعدما تجاوز ألفي متر مكعب سنويًا في سبعينيات القرن الماضي، ليهبط إلى نحو 490 مترًا مكعبًا في عام 2025، وفق بيانات وزارة الموارد المائية والري، وهو مستوى يقل كثيرًا عن حد الفقر المائي المعتمد دوليًا.

وتُقدَّر احتياجات مصر السنوية بنحو 114 مليار متر مكعب من المياه، في حين لا تتجاوز الموارد المتاحة نحو 80 مليار متر مكعب، ما يخلق فجوة مائية تقدر بحوالي 35 مليار متر مكعب، يتم تعويض جزء منها عبر إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي، وتحلية مياه البحر، واستغلال المياه الجوفية والأمطار.

سد النهضة والخلاف مع إثيوبيا

ويظل سد النهضة محور الخلاف الرئيسي بين القاهرة وأديس أبابا، إذ ترى مصر أن إثيوبيا مضت في بناء السد وملئه بصورة أحادية دون اتفاق ملزم مع دولتي المصب، بينما تعتبر أديس أبابا المشروع حقًا سياديًا لتلبية احتياجاتها التنموية.

كما تشير التحليلات إلى أن اتفاقية “عنتيبي”، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2024 بعد تصديق العدد المطلوب من الدول، عززت موقف دول المنبع بشأن إعادة تنظيم إدارة مياه النيل، وهو ما تعتبره القاهرة تهديدًا للاتفاقيات التاريخية المنظمة لتوزيع الحصص المائية.

البحر الأحمر يدخل معادلة الصراع

وبالتوازي مع الخلاف حول المياه، برز ملف سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري باعتباره أحد الملفات المؤثرة في العلاقات بين البلدين، بعد توقيع أديس أبابا مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال مطلع عام 2024، تمنحها إمكانية الوصول إلى البحر مقابل ترتيبات اقتصادية وأمنية.

وتنظر القاهرة إلى هذا التطور باعتباره قضية ترتبط بأمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة، خاصة في ظل المخاوف من تأثير أي تغييرات جيوسياسية على الملاحة الدولية وقناة السويس.

تحركات دبلوماسية وأمنية

وفي إطار مواجهة هذه التطورات، عززت مصر تعاونها مع الصومال وجيبوتي وعدد من الدول المطلة على البحر الأحمر، كما كثفت التنسيق مع شركاء إقليميين، بينهم السعودية وإريتريا، لدعم استقرار منطقة القرن الأفريقي والحفاظ على أمن الممرات البحرية.

ويرى مراقبون أن القاهرة قد لا ترفض من حيث المبدأ حصول إثيوبيا على منفذ بحري، لكنها تربط أي تفاهم محتمل بتقديم ضمانات واضحة تتعلق بأمنها المائي وعدم الإضرار بحقوقها في مياه النيل، إلى جانب الحفاظ على أمن البحر الأحمر.

مشروعات لتعزيز الأمن المائي

وعلى الصعيد الداخلي، تواصل الحكومة المصرية تنفيذ مشروعات لزيادة الموارد المائية، من بينها التوسع في إنشاء محطات تحلية مياه البحر، التي يبلغ عددها حاليًا 129 محطة، إضافة إلى مئات محطات معالجة مياه الصرف، التي توفر ملايين الأمتار المكعبة يوميًا لإعادة الاستخدام.

كما تعمل الدولة على تطوير نظم الري الحديثة، والتوسع في الري بالتنقيط والرش بدلًا من الري بالغمر، وتقنين زراعة المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه، مع زيادة الاعتماد على المياه الجوفية وتحسين الاستفادة من مياه الأمطار.

ورغم أهمية هذه المشروعات، يرى مختصون أنها تمثل جزءًا من منظومة متكاملة تتطلب استمرار الاستثمار في إدارة الموارد المائية، بالتوازي مع إيجاد حلول دبلوماسية مستدامة للخلافات المرتبطة بحوض النيل، بما يضمن الحفاظ على الأمن المائي المصري في السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى