منوعات

حلم عباءة الإخفاء يقترب.. ابتكار يجعل الأجسام تختفي حراريا

لسنوات طويلة، ظلت “عباءة الإخفاء” التي اشتهر بها هاري بوتر رمزا للخيال العلمي والسحر، إذ تمنح من يرتديها القدرة على الاختفاء عن الأنظار. لكن فريقا من العلماء نجح في الاقتراب من تجسيد جزء من هذه الفكرة على أرض الواقع، عبر تطوير أول “عباءة حرارية” ثلاثية الأبعاد قادرة على إخفاء الأجسام عن الكاميرات الحرارية، ليس بمنع الضوء من الوصول إليها، بل بإعادة توجيه الحرارة حولها بحيث تبدو وكأنها غير موجودة.

ويمثل هذا الابتكار، الذي نُشرت نتائجه في دورية Nature Communications، نقلة نوعية في تقنيات الإخفاء الحراري، إذ تمكن الباحثون لأول مرة من تصميم نظام يعمل من مختلف الاتجاهات ويخفي أجساما ثلاثية الأبعاد معقدة، مع توفير حماية لها من درجات الحرارة المرتفعة والمنخفضة في الوقت نفسه.

ورغم أن هذه التقنية لا تجعل الأجسام غير مرئية للعين المجردة كما في الروايات والأفلام، فإنها تحقق نسخة واقعية من “عباءة الإخفاء” في نطاق الأشعة تحت الحمراء، التي تعتمد عليها الكاميرات الحرارية في رصد الأجسام.

كيف تعمل العباءة؟

تعتمد التقنية على مبدأ إعادة توجيه الحرارة بدلا من حجبها، بطريقة تشبه التفاف المياه حول صخرة في مجرى نهر. ونتيجة لذلك، تستمر الحرارة في مسارها الطبيعي وكأن الجسم غير موجود، ما يمنع الكاميرات الحرارية من اكتشافه.

وأوضح باحثون من جامعة إلينوي أوربانا-شامبين الأمريكية والجامعة التقنية في الدنمارك، في بيان صحفي، أنهم نجحوا في تصميم وبناء أول جهاز عملي يحقق مفهوم “الإخفاء الحراري ثلاثي الأبعاد”، القادر على إخفاء الأجسام عن كاميرات الأشعة تحت الحمراء التي تعتمد على رصد الحرارة بدلا من الضوء.

إخفاء أجسام معقدة من جميع الاتجاهات

تختلف العباءة الجديدة عن المحاولات السابقة التي اقتصرت على أجسام ثنائية الأبعاد أو كانت تعمل في اتجاه واحد فقط، إذ يستطيع النظام الجديد إخفاء أجسام ثلاثية الأبعاد ذات أشكال معقدة من معظم الاتجاهات.

وأشار الباحثون إلى أن أي عباءة حرارية حقيقية يجب أن تؤدي وظيفتها بغض النظر عن اتجاه انتقال الحرارة، وهو ما تمكن الفريق من تحقيقه للمرة الأولى.

ويعود الفضل في ذلك إلى مادة هندسية مبتكرة تتكون من شبكة معدنية دقيقة من الألومنيوم صُنعت باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، ثم مُلئت فراغاتها بمادة مطاطية منخفضة التوصيل الحراري. ومن خلال التحكم في كثافة الشبكة وأبعادها في مناطق مختلفة، استطاع العلماء توجيه تدفق الحرارة بدقة حول الجسم المراد إخفاؤه.

اختبارات ناجحة

لاختبار فعالية النظام، وضع الباحثون العباءة بين منطقتين تختلفان في درجة الحرارة، إحداهما ساخنة والأخرى باردة، ثم راقبوا انتقال الحرارة بواسطة كاميرات الأشعة تحت الحمراء.

وأظهرت النتائج أن الحرارة انحرفت حول الجسم المخفي ثم عادت إلى مسارها الطبيعي، ما جعل المشهد الحراري يبدو كما لو أن الجسم غير موجود أساسا. وفي الوقت نفسه، بقيت المنطقة الموجودة داخل العباءة محتفظة بدرجة حرارة مستقرة ومحميّة من التأثيرات الحرارية الخارجية.

ولم تقتصر التجارب على أشكال هندسية بسيطة، بل نجح الفريق في إخفاء أجسام ثلاثية الأبعاد معقدة، من بينها نموذج يشبه الرأس البشري وتراكيب هندسية دقيقة، وهو مستوى من التعقيد يؤكد الباحثون أن أنظمة الإخفاء الحراري السابقة لم تتمكن من الوصول إليه.

تطبيقات مستقبلية

ويرى العلماء أن استخدامات هذه التقنية لا تقتصر على التمويه، بل تمتد إلى مجالات عديدة، من بينها حماية المكونات الإلكترونية الحساسة من ارتفاع درجات الحرارة، وتحسين إدارة الحرارة داخل الرقائق الإلكترونية والحواسيب عالية الأداء، إضافة إلى حماية المعدات العاملة في البيئات القاسية.

كما قد تمهد هذه التقنية الطريق أمام تطبيقات أمنية وعسكرية تساعد على تقليل فرص رصد الأشخاص أو المعدات بواسطة أجهزة التصوير الحراري.

ويعتقد الفريق البحثي أن هذا الإنجاز يمثل خطوة أساسية نحو تطوير تقنيات أكثر تقدما تستطيع مستقبلا التحكم النشط في تدفق الحرارة، بما يسمح بإخفاء الأجسام التي تولد الحرارة بنفسها، مثل المحركات والبطاريات، وربما حتى جسم الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى