العالم

هل من علاقة بين اتفاق مكة والحرب المنتظرة في اليمن؟

آخر بوست | لم يكن اختيار يوم الجمعة ومكة المكرمة لتوقيع الاتفاق التاريخي بين السعودية وتركيا وباكستان مجرد مصادفة أو إجراء بروتوكولي، بل يحمل، في قراءة كثير من المراقبين، دلالات رمزية وسياسية تتجاوز مضمون الاتفاق نفسه. فاختيار الزمان والمكان يمنح الاتفاق أبعادًا دينية وسياسية، خصوصًا أن الدول الثلاث تتمتع بثقل تاريخي وحاضر مؤثر على المستويين الإسلامي والدولي.

وقد منح هذا التوقيت الاتفاق أهمية لافتة، إذ جاء في واحدة من أكثر مراحل العالم توترًا واشتعالًا بالأزمات والمواجهات، ولا سيما في الشرق الأوسط، ما يجعل توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك محطة مختلفة عما سبقها، ويفتح الباب أمام تساؤلات بشأن تداعياته الإقليمية والعسكرية.

ويرى مراقبون أن اتفاق مكة يمثل أول تحالف إسلامي ذي طابع إستراتيجي وعسكري في العصر الحديث، فيما تتركز مهمته الأساسية، وفق القراءة المطروحة، في مواجهة أي مخاطر خارجية مباشرة قد تتعرض لها الدول الثلاث أو إحداها، سواء جاءت من دول في المنطقة أو من خارجها.

وأكدت الدول الموقعة أن الاتفاق ليس موجها ضد أي طرف، كما أنه لا يقتصر على الدول الثلاث، مع إعلان ترحيبها بانضمام دول أخرى إليه. إلا أن الظروف الإقليمية الحالية، وخصوصًا استمرار الصراع الأميركي الإيراني والتوتر المرتبط بمضيق هرمز، لا تشير إلى انضمام سريع لدول أخرى إلى الاتفاق في المرحلة الراهنة.

إيران تعيد ترتيب أوراقها

وفي المقابل، يرى الكاتب أن فترة الهدنة الحالية منحت إيران فرصة لاستعادة قدر من قدراتها وترتيب أوراقها الداخلية والإقليمية، مشيرًا إلى قرارات المرشد مجتبى خامنئي المتعلقة بتعيين قيادات في الجيش والحرس الثوري، والتي يقول إنها عززت حضور التيار المتشدد المؤيد لمواجهة الولايات المتحدة ودعم حلفاء إيران في المنطقة.

ويشير المقال إلى تحركات إيرانية في عدد من الساحات الإقليمية، من بينها زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى العراق، بهدف دعم الفصائل المسلحة الموالية لطهران، إلى جانب تعزيز الدعم السياسي لحزب الله اللبناني، ورفع مستوى التنسيق مع الحوثيين في اليمن الذين عاودوا نشاطهم العسكري مؤخرًا ضد السعودية والقوات الحكومية وحركة الملاحة في البحر الأحمر.

ويرى الكاتب أن هذا التصعيد يتزامن مع توقيع اتفاق مكة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة المواجهة الإقليمية، خصوصًا إذا انتقلت المواجهات في اليمن إلى مرحلة أكثر شمولًا.

الحوثيون والسعودية.. مواجهة مفتوحة؟

جاء توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك أيضًا في ظل تصاعد القتال في اليمن، بعدما أعلن الحوثيون خلال الأسابيع الماضية استهداف مواقع ومنشآت في السعودية، إلى جانب تنفيذ هجمات ضد مواقع عسكرية في مناطق يمنية خاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا.

ويشير المقال إلى أن الحوثيين برروا بعض هذه الهجمات باستهداف مواقع قالوا إنها تضم قوات سعودية، بينما تشير البيانات التي يستند إليها الكاتب إلى سقوط قتلى وجرحى يمنيين، بينهم مدنيون.

كما يتهم المقال الحوثيين بمواصلة استهداف مدن يمنية، ولا سيما مأرب والمخا، في حين تتعامل القوات الحكومية، بحسب الطرح الوارد فيه، بسياسة دفاعية تركز على التصدي للهجمات واستهداف مصادر النيران.

ويرى الكاتب أن التصعيد الحوثي ضد السعودية والمدن اليمنية في الوقت نفسه يحمل أهدافًا داخلية وخارجية، وأن دعم إيران يمثل أحد هذه الأهداف، بينما تبدو الحسابات الداخلية، من وجهة نظره، أكثر حضورًا.

نهاية مرحلة اللاحرب واللاسلم؟

يرى كثير من المراقبين، وفق المقال، أن استمرار حالة اللاحرب واللاسلم في اليمن لم يعد قادرًا على تحقيق أهدافه، خصوصًا في ظل تشدد الحوثيين ورفضهم مقترحات التسوية السياسية التي تقوم على إنهاء الصراع والتوصل إلى حل توافقي يضم مختلف الأطراف السياسية ويحافظ على حضور الحوثيين السياسي مقابل معالجة ملف السلاح.

ويشير الكاتب إلى أن الحوثيين ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم الممثل الشرعي لليمن، وأنهم يعتبرون السعودية الطرف الأساسي الذي ينبغي التفاهم معه، بدلًا من الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

ومن هذا المنطلق، يرى المقال أن الحوثيين يستخدمون قدراتهم العسكرية لاستهداف الأراضي والمنشآت السعودية بهدف الضغط على الرياض وفتح حوار مباشر معها وفق رؤيتهم للحل، بدلًا من الدخول في تسوية وطنية شاملة مع الحكومة اليمنية ومختلف القوى السياسية.

في المقابل، لا تبدو السعودية، بحسب الكاتب، مستعدة للتراجع عن موقفها الداعم للحكومة اليمنية، إذ يعتبر أن دعم الحكومة اليمنية يمثل خيارًا سياسيًا وإستراتيجيًا ثابتًا بالنسبة إلى الرياض، وأن إنهاء حالة اللاحرب واللاسلم أصبح هدفًا مشتركًا بين الحكومة اليمنية والسعودية والأطراف الإقليمية والمجتمع الدولي.

ويستند هذا الموقف، وفق المقال، إلى المخاطر التي نتجت عن الهجمات الحوثية على أمن الملاحة في البحر الأحمر، بعد سنوات من المساعي الدولية للتوصل إلى حل سياسي للصراع اليمني.

هل يدخل اتفاق مكة على خط الحرب في اليمن؟

يطرح توقيع الاتفاق السعودي التركي الباكستاني تساؤلًا أساسيًا بشأن مدى إمكانية مساهمة الدول الموقعة في حماية السعودية إذا اندلعت مواجهة واسعة بين القوات الحكومية اليمنية والحوثيين.

ويعتقد الكاتب أن الحوثيين قد يترددون في استهداف السعودية إذا لمسوا جدية في تفعيل اتفاق مكة للدفاع المشترك، رغم امتلاك المملكة قدرات عسكرية ودفاعية كبيرة تمكنها من التعامل مع الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة.

ويشير إلى أن السعودية سبق أن تمكنت بقدراتها الذاتية من التصدي لهجمات حوثية خلال حرب مأرب بين عامي 2020 و2022، ما يعني، بحسب رأيه، أن الاتفاق لا يأتي بالضرورة لسد عجز عسكري سعودي، وإنما قد يشكل عامل ردع إضافيًا في مواجهة أي تصعيد إقليمي.

القوات الحكومية اليمنية تستعد لمعركة جديدة

ويصف الكاتب القوات الحكومية اليمنية بأنها في أفضل حالاتها مقارنة بالمراحل السابقة، مشيرًا إلى أنها استفادت من سنوات الهدنة في إعادة بناء قدراتها العسكرية وتأهيل وحداتها وألويتها الميدانية.

كما يرى أن أحداث ديسمبر/كانون الأول ويناير/كانون الثاني الماضيين في محافظتي حضرموت والمهرة ساهمت في إعادة ترتيب المشهد العسكري وتوحيد الأولويات باتجاه إنهاء تمرد الحوثيين، سواء عبر الحل السياسي أو الخيار العسكري.

وبحسب المقال، بدأت القدرات العسكرية للقوات الحكومية في الظهور بصورة أوضح مع تصاعد الهجمات الحوثية خلال الأسبوعين الماضيين، إلى درجة يرى معها الكاتب أن هدنة أبريل/نيسان 2022 باتت عمليًا أمام اختبار حقيقي.

وتتركز المخاوف من اندلاع مواجهة شاملة في عدد من جبهات القتال، تشمل الحديدة وتعز والضالع وإب والبيضاء ومأرب والجوف وصعدة وحجة، في حال اتجهت التطورات إلى حرب مفتوحة.

ومع ذلك، وحتى وقت كتابة المقال، لم تكن القيادة اليمنية قد أعلنت رسميًا بدء معركة شاملة، بينما تواصل التنسيق مع السعودية لمواجهة الهجمات الحوثية وتقييم مستوى الاستعداد العسكري، إلى جانب حشد المواقف الدولية وتسليط الضوء على الهجمات التي استهدفت منشآت مدنية وحيوية، ومنها ميناء المخا المطل على البحر الأحمر.

ويرى الكاتب أنه لا تبدو في الأفق مؤشرات واضحة على إمكانية العودة إلى صيغة هدنة 2022، في ظل اتساع الهوة بين مواقف الحوثيين والحكومة اليمنية بشأن شكل التسوية السياسية المقبلة.

مواجهة مؤجلة منذ سنوات

وفي الوقت الذي يطالب فيه الحوثيون بحلول سياسية تتوافق مع رؤيتهم للصراع، ترى الحكومة اليمنية، بحسب المقال، أن استمرار الحديث عن الحل السلمي لم يعد يحظى بالقبول نفسه في الشارع اليمني، ولا يتناسب مع تطورات الوضع الميداني والشروط التي تطرحها الجماعة.

ويخلص الكاتب إلى أن الحرب في اليمن قد تكون أمام مرحلة جديدة، وأن حالة الانتظار الطويلة قد تقترب من نهايتها، في ظل استعدادات عسكرية متزايدة وتوتر إقليمي متصاعد، بينما تبقى إمكانية العودة إلى المسار السياسي مرهونة بمدى استعداد أطراف الصراع لتقديم تنازلات تفتح الطريق أمام تسوية شاملة.

ملاحظة: الآراء والتحليلات الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لموقع آخر بوست.

زر الذهاب إلى الأعلى