العالم

غارديان: أزمة سبتة تختبر رهان سانشيز على إسبانيا المستقلة

 

طهران لا تقصف الرياض لكنها تعرف من يفعل ذلك إذا أُغلق هرمز واشتعل باب المندب.. ماذا يبقى للعالم؟ هل يتحول باب المندب إلى "هرمز جديد" بيد الحوثيين؟
تدفُّق اللاجئين على سبتة أصبح رافعة رئيسية لصعود الأحزاب اليمينية والشعبوية (رويترز)

العلاقات الإسبانية المغربية تحت ضغط الهجرة

واستحضرت غارديان أزمة عام 2021، عندما دخل آلاف المهاجرين إلى سبتة، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي وقف حينها بصورة أكثر وضوحا إلى جانب إسبانيا، بينما تركز جزء كبير من النقاش الأوروبي في الأزمة الأخيرة على انتقاد حكومة سانشيز بدلا من تقديم الدعم لها.

وترى الصحيفة أن هذا التغير يعكس التحول الذي طرأ على الموقف الأوروبي من الهجرة، بعدما أصبحت القضية واحدة من أكثر الملفات حساسية في السياسة الداخلية للدول الأوروبية.

فالأحزاب اليمينية والمتشددة باتت تستغل تدفقات المهاجرين والأزمات الحدودية للمطالبة بتشديد الرقابة على الحدود، في حين تواجه الحكومات الأوروبية صعوبة في تحقيق التوازن بين الالتزامات القانونية والإنسانية وبين الضغوط الشعبية المطالبة بتقليص الهجرة.

وفي حالة إسبانيا، تزداد صعوبة المعادلة بسبب اعتماد مدريد على التعاون مع المغرب للحد من تدفقات المهاجرين، بالتزامن مع استمرار الملفات الخلافية بين البلدين.

وتشير غارديان إلى أن الأزمة أظهرت أن التعاون مع المغرب في ملف الهجرة لا يلغي قدرة هذا الملف على التحول إلى مصدر ضغط سياسي على الحكومة الإسبانية.

Migrants who crossed from Morocco into Spain line up for food distribution on a beach in the Spanish enclave of Ceuta, Monday, Aug. 3, 2026. (AP Photo/Bernat Armangue)
احتواء الأزمة مع المغرب وإعادة معظم المهاجرين أثار انتقادات من حلفاء سانشيز اليساريين (أسوشيتد برس)

سبتة ورقة ضغط في السياسة الإسبانية

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على العلاقات الخارجية، بل تمتد إلى الداخل الإسباني، حيث يرى التحليل أن ملف الهجرة يمكن أن يمنح الأحزاب اليمينية المتشددة فرصة لتعزيز حضورها السياسي.

وتواجه حكومة سانشيز بالفعل ضغوطا متزايدة من حزب فوكس اليميني المتطرف، الذي يركز في خطابه السياسي على قضايا الأمن والهجرة وتشديد الرقابة على الحدود.

وترى غارديان أن أزمة سبتة قد تمنح الحزب فرصة إضافية لمهاجمة الحكومة، خاصة قبل الانتخابات المقبلة، من خلال تصويرها على أنها غير قادرة على حماية الحدود الإسبانية وإدارة ملف الهجرة.

وتضع هذه التطورات سانشيز أمام معادلة صعبة، إذ إن تشديد سياسة الهجرة قد يثير انتقادات من حلفائه اليساريين ومنظمات حقوق الإنسان، بينما قد يؤدي تبني سياسة أكثر انفتاحا إلى زيادة الضغط من جانب اليمين.

موقف بيدرو سانشيز من الولايات المتحدة

وربطت الصحيفة أزمة سبتة بالتوتر المتزايد في العلاقات بين مدريد وواشنطن، خصوصا بعد رفض إسبانيا السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها العسكرية خلال الحرب على إيران، إضافة إلى مواقف سانشيز المنتقدة لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

وترى غارديان أن هذه المواقف ساهمت في تراجع العلاقات بين البلدين، وأصبحت جزءا من الضغوط التي تواجهها الحكومة الإسبانية في سياستها الخارجية.

كما تشير الصحيفة إلى أن اليمين الأمريكي والتيارات القريبة من ترمب لم تخف دعمها للمطالب المغربية المتعلقة بسبتة ومليلية، وهو ما يزيد من حساسية الموقف الإسباني ويضع حكومة سانشيز أمام ضغوط إضافية.

وبذلك، لم تعد أزمة سبتة بالنسبة إلى مدريد قضية مرتبطة بالهجرة وحدها، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بالعلاقات مع المغرب والولايات المتحدة وبموقع إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي.

صعود اليمين الأوروبي وتأثير أزمة الهجرة

وترى غارديان أن وصول أعداد كبيرة من المهاجرين إلى سبتة منح اليمين الأوروبي فرصة جديدة لتوسيع نفوذه السياسي، خصوصا أن الهجرة أصبحت من الملفات الرئيسية التي تدفع الناخبين نحو الأحزاب اليمينية والشعبوية في عدد من الدول الأوروبية.

ويستفيد اليمين من الأزمات الحدودية لطرح سياسات أكثر تشددا تجاه الهجرة، وربطها بقضايا الأمن والاستقرار والهوية الوطنية.

وفي المقابل، تحاول الحكومات الأوروبية التقليدية التعامل مع الملف بطريقة توازن بين حماية الحدود والالتزامات القانونية تجاه المهاجرين وطالبي اللجوء.

لكن الخلافات بين الدول الأعضاء بشأن توزيع مسؤولية استقبال المهاجرين وإدارة الحدود تكشف غياب موقف أوروبي موحد، وهو ما يجعل كل أزمة حدودية جديدة قابلة للتحول إلى خلاف سياسي داخل الاتحاد.

احتواء أزمة سبتة يثير خلافات داخل إسبانيا

وفي مواجهة الضغوط، اختار سانشيز احتواء الأزمة مع المغرب بدلا من التصعيد، حيث أُعيد معظم المهاجرين الذين دخلوا سبتة إلى المغرب.

وساهم هذا النهج في تخفيف الأزمة سريعا، لكنه أثار انتقادات من بعض حلفاء سانشيز اليساريين، الذين يرون أن الحكومة يجب أن تتبنى موقفا أكثر صرامة تجاه الرباط، خصوصا فيما يتعلق بحقوق المهاجرين وطريقة إعادتهم.

ويكشف ذلك عن التناقض الذي تواجهه الحكومة الإسبانية في إدارة الأزمة، فهي تحتاج إلى التعاون مع المغرب للحد من تدفقات الهجرة، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بالحفاظ على مواقفها السياسية والقانونية تجاه قضايا الهجرة وحقوق الإنسان.

كما أن أي تراجع في التعاون بين مدريد والرباط قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على سبتة، في حين أن الاعتماد المفرط على التعاون المغربي قد يمنح الرباط نفوذا إضافيا في العلاقات الثنائية.

أزمة سبتة تكشف انقسامات أوروبا

ولا ترى غارديان أن أزمة سبتة تقتصر على العلاقات بين إسبانيا والمغرب، بل تعتبرها جزءا من نقاش أوسع بشأن مستقبل سياسة الهجرة في أوروبا.

فسبتة تمثل إحدى نقاط الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، ولذلك فإن أي تدفق كبير للمهاجرين إليها يطرح أسئلة تتعلق بمسؤولية حماية الحدود وتقاسم الأعباء بين الدول الأوروبية.

وتكشف الأزمة أيضا الانقسام بين الدول الأعضاء بشأن كيفية التعامل مع الهجرة، في وقت أصبحت فيه الأحزاب اليمينية أكثر قدرة على فرض هذا الملف على جدول الأعمال السياسي الأوروبي.

وترى الصحيفة أن غياب الدعم الأوروبي الواضح لإسبانيا خلال الأزمة الأخيرة مقارنة بما حدث عام 2021 يعكس تغيرا في البيئة السياسية الأوروبية، حيث أصبحت الحكومات أكثر حذرا من تبني سياسات يمكن أن تفسر على أنها تساهل مع الهجرة.

مستقبل سياسة الهجرة الإسبانية

ومن المرجح أن تفرض أزمة سبتة على حكومة سانشيز مراجعة بعض جوانب سياستها تجاه الهجرة والعلاقات مع المغرب، خاصة إذا استمرت الضغوط من المعارضة والأحزاب اليمينية.

ويواجه رئيس الوزراء الإسباني تحديا يتمثل في الحفاظ على التعاون مع الرباط دون الظهور أمام الرأي العام الإسباني وكأنه يقدم تنازلات سياسية، وفي الوقت نفسه تجنب صدام مع حلفائه الأوروبيين واليساريين بشأن طريقة التعامل مع المهاجرين.

كما سيكون على مدريد التعامل مع تصاعد نفوذ اليمين المتطرف، الذي يمكن أن يجعل من أزمة سبتة والهجرة بشكل عام قضية مركزية في الانتخابات المقبلة.

أزمة سبتة تعكس صراعا سياسيا وجيوسياسيا أوسع

وخلصت غارديان إلى أن أزمة سبتة ليست مجرد أزمة حدود أو هجرة، بل تعكس صراعا أوسع حول مستقبل أوروبا وحدود قدرة الدول المتوسطة على اتباع سياسة خارجية مستقلة في عالم تزداد فيه المنافسة بين القوى الكبرى.

فسانشيز، الذي حاول تقديم إسبانيا كقوة أوروبية ذات صوت مستقل، يجد نفسه أمام ضغوط متزامنة من الولايات المتحدة، ونفوذ المغرب في ملف الهجرة والحدود، إضافة إلى صعود اليمين المتطرف داخل إسبانيا وأوروبا.

كما تكشف الأزمة أن الهجرة لم تعد قضية إنسانية وأمنية فقط، بل أصبحت أداة سياسية تستخدمها الحكومات والأحزاب في صراعاتها الداخلية والخارجية.

وبحسب الصحيفة، فإن مستقبل تعامل إسبانيا مع سبتة سيبقى مرتبطا بقدرتها على تحقيق توازن صعب بين حماية حدودها، والحفاظ على علاقاتها مع المغرب، وتأمين الدعم الأوروبي، ومواجهة صعود اليمين المتطرف، دون التخلي عن استقلالية قرارها في السياسة الخارجية.

وبذلك، تبدو سبتة نقطة تتقاطع عندها قضايا الهجرة والحدود والعلاقات الإسبانية المغربية، والتوتر بين مدريد وواشنطن، وصعود اليمين الأوروبي، ومستقبل سياسة الهجرة في الاتحاد الأوروبي، وهو ما يجعل الأزمة الحالية اختبارا حقيقيا لمشروع سانشيز السياسي ولقدرة إسبانيا على الحفاظ على موقع مستقل داخل أوروبا.

زر الذهاب إلى الأعلى