العالم

آسيا وأوروبا وبوادر نهاية الاعتماد المطلق على أمريكا

اخر بوست | في وقت تنشغل فيه الولايات المتحدة بالحرب على إيران وتواجه ضغوطاً متزايدة على قدراتها العسكرية، تشهد آسيا تحولات استراتيجية متسارعة قد تعيد رسم ملامح النظام الأمني في المنطقة لعقود قادمة، بينما لا تزال أوروبا تحاول التكيف مع سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب القائمة على مبدأ “أمريكا أولاً”.

ويرى محللون أن انشغال واشنطن بجبهات متعددة، وتراجع تركيزها على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، يثير مخاوف من اتساع نفوذ الصين، لكنه في الوقت نفسه يدفع الدول الآسيوية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وبناء منظومة أمنية أكثر اعتماداً على الذات.

الصين توسع تحركاتها العسكرية

وقالت مديرة التحليل العسكري في مؤسسة “ديفينس برايوريتيز”، جينيفر كافاناه، في مقال نشرته صحيفة “نيويورك تايمز”، إن الأشهر الأخيرة شهدت تسارعاً غير مسبوق في التحولات الأمنية داخل آسيا، مع تكثيف الصين دورياتها العسكرية حول تايوان، وزيادة ضغوطها العسكرية والاقتصادية على اليابان، إلى جانب إجراء تجربة لإطلاق صاروخ باليستي من غواصة، في رسالة تعكس تنامي قدراتها النووية البحرية.

وفي المقابل، عززت اليابان تعاونها العسكري مع أستراليا والفلبين والهند، وخففت القيود المفروضة على صادراتها الدفاعية، بينما وقعت أستراليا اتفاقيات أمنية جديدة مع عدد من دول المحيط الهادئ، في مؤشر على تشكل شبكة أمنية إقليمية أقل اعتماداً على الولايات المتحدة.

الحرب على إيران كشفت حدود القوة الأمريكية

وترى كافاناه أن الحرب على إيران أبرزت حدود القدرة العسكرية الأمريكية، بعدما اضطرت واشنطن إلى نقل جزء من مواردها العسكرية من آسيا إلى الشرق الأوسط، في وقت يواصل فيه ترمب مطالبة الحلفاء بتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن أنفسهم.

وأضافت أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على توفير المظلة الأمنية ذاتها التي وفرتها لحلفائها الآسيويين طوال العقود الماضية، ما يجعل انتقال جزء من المسؤوليات الأمنية إلى الدول الحليفة أمراً لا مفر منه.

إلا أنها حذرت من أن هذا التحول قد تفسره الصين على أنه تراجع في الالتزام الأمريكي، وهو ما قد يشجع بكين على زيادة ضغوطها العسكرية، ويدفع دول المنطقة إلى سباق تسلح يشمل تطوير الصواريخ بعيدة المدى والغواصات النووية، بل وحتى إعادة طرح فكرة امتلاك أسلحة نووية في بعض الدول.

آسيا تتكيف مع سياسة ترمب

وفي قراءة مختلفة، رأى الباحث جون لي، في مقال نشرته مجلة “فورين أفيرز”، أن حلفاء واشنطن في آسيا تعاملوا مع سياسة “أمريكا أولاً” بواقعية أكبر مقارنة بالدول الأوروبية.

وأوضح أن اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والفلبين لا تنظر إلى النهج الأمريكي الجديد باعتباره تهديداً وجودياً، بل تعتبره واقعاً يجب التكيف معه، لأن البديل يتمثل في تنامي النفوذ الصيني داخل المنطقة.

وأشار إلى أن هذه الدول قبلت بعلاقات أكثر براغماتية مع الولايات المتحدة، تضمنت استثمارات كبيرة في الاقتصاد الأمريكي وصفقات تجارية تصب في مصلحة واشنطن، مقابل استمرار المظلة الأمنية الأمريكية.

أوروبا تواجه معادلة مختلفة

في المقابل، يرى جون لي أن أوروبا اختارت مساراً مختلفاً، إذ سعت إلى تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة في مجالات التجارة والتكنولوجيا، مع التمسك بالنظام الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف باعتبارها الضامن الأساسي للاستقرار العالمي.

لكن هذا النهج، بحسب الكاتب، يواجه تحديات متزايدة مع تراجع استعداد واشنطن لتحمل العبء الرئيسي للدفاع عن القارة الأوروبية، في وقت لا تزال فيه الحكومات الأوروبية مترددة في تقليص الإنفاق الاجتماعي لزيادة موازنات الدفاع.

نظام أمني جديد يتشكل

ورغم اختلاف زاوية الطرح، يتفق الكاتبان على أن آسيا تشهد تحولاً تاريخياً في ميزان القوى. فبينما ترى كافاناه أن المنطقة تتجه نحو نظام أمني تتقاسم فيه القوى الإقليمية مسؤوليات الدفاع مع استمرار حضور أمريكي أقل حجماً وأكثر انتقائية، يؤكد جون لي أن الحلفاء الآسيويين استوعبوا مبكراً قواعد المرحلة الجديدة، التي تقوم على المصالح والصفقات أكثر من اعتمادها على التحالفات التقليدية.

ومع استمرار صعود الصين، وتوزع الاهتمام الأمريكي بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، تبدو منطقة آسيا والمحيط الهادئ مقبلة على مرحلة إعادة تشكيل عميقة لنظامها الأمني، قد تجعل دولها أكثر اعتماداً على قدراتها الذاتية في مواجهة التحديات الإقليمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى