الأهداف تنفد والوسطاء يتحركون.. لماذا أوقف ترمب قصف إيران؟
اخر بوست | دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة من التهدئة الحذرة، بعدما أوقفت واشنطن، السبت الماضي، حملتها الجوية التي استمرت أسبوعين، في أحدث تطور ضمن صراع متواصل منذ نحو خمسة أشهر، وسط مؤشرات متباينة بشأن إمكانية الانتقال إلى مسار تفاوضي أو العودة إلى التصعيد.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن بلاده تجري “محادثات جيدة” مع إيران، معتبراً أن هناك فرصة للتوصل إلى اتفاق، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الضربات العسكرية قد تستأنف إذا لم تثمر الاتصالات عن نتائج ملموسة.
وخلال تجمع انتخابي في ولاية ميشيغان، صعّد ترمب من لهجته قائلاً: “لا يمكنكم رشوتهم، يجب أن تهزموهم، وسنهزمهم هزيمة ساحقة”، قبل أن يعود ويؤكد أن المفاوضات الجارية حالياً “ودية للغاية”. كما كشف في تصريحات لموقع “أكسيوس” أن دولاً وسيطة طلبت منه وقف الهجمات، مؤكداً أن واشنطن منخرطة في محادثات معمقة مع طهران.
في المقابل، نفت إيران وجود أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن الوسطاء قد ينقلون رسائل أمريكية، إلا أن بلاده لا تجري أي محادثات مع واشنطن حالياً، واصفاً التقارير التي تحدثت عن طلب إيراني للتفاوض بأنها “عارية عن الصحة”.
ونقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول إيراني رفيع أن طهران ستواصل وقف هجماتها طالما استمر وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه ترمب من جانب واحد.
الخلاف حول مضيق هرمز
بدأت الجولة الأخيرة من التوتر بعدما أطلقت إيران النار على سفن سلكت ممراً بحرياً عبر مضيق هرمز قرب سواحل سلطنة عُمان، وهو المسار الذي كانت الولايات المتحدة قد دعت السفن التجارية إلى استخدامه.
وكان الجانبان قد توصلا في يونيو الماضي إلى إطار مؤقت لمحادثات كان من المفترض عقدها قبل نهاية أغسطس، إلا أن الخلاف برز حول تفسير آلية تنظيم الملاحة في المضيق. فبينما تؤكد واشنطن أن الاتفاق يضمن حرية الملاحة، ترى طهران أنه يمنحها حق الإشراف على حركة العبور.
وتصر إيران على مرور السفن عبر ممر يخضع لإشرافها قرب سواحلها، مع فرض رسوم على استخدامه. كما أفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية بأن السلطات أعادت ست سفن وصفتها بـ”المخالفة” بعد محاولتها عبور المضيق دون تصريح.
وأكد بقائي أن المحادثات مع سلطنة عُمان بشأن المبادئ المشتركة وآليات تنظيم الملاحة تسير بصورة إيجابية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ليست طرفاً فيها، ومتهماً واشنطن بالتصرف “كسلوك عصابة مافيا لا تلتزم بأي قواعد أو قوانين”.
في المقابل، حذر مقر خاتم الأنبياء الإيراني من أن الحصار البحري الأمريكي وتهديد السفن الإيرانية يمثلان توسعاً في الحرب، مؤكداً أن أي عمل عدائي أمريكي “لن يمر دون رد”.
مقترحات للوساطة
وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال”، نقلاً عن مسؤولين مطلعين، أن سلطنة عُمان طرحت خلال زيارة إلى طهران مقترحاً يقضي بتشكيل ائتلاف إقليمي يتولى إدارة الأمن البحري في مضيق هرمز، وعمليات البحث والإنقاذ، وغيرها من مجالات التعاون، على أن يتم تمويله طوعاً من دول المنطقة وقطاعي الشحن والنفط.
وبحسب الصحيفة، تتعامل إيران بإيجابية مع الفكرة، لكنها تتمسك بالسيطرة على المضيق، بما في ذلك حق تحصيل الرسوم، وهي النقطة التي ما تزال تمثل محور الخلاف مع الجانب العُماني.
وأضافت الصحيفة أن الولايات المتحدة ليست طرفاً مباشراً في هذه المشاورات، رغم استمرار مسقط في إطلاع واشنطن على تطوراتها.
وفي مسار وساطة موازٍ، أفادت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، نقلاً عن مسؤول عربي ومصادر مطلعة، بأن قطر وباكستان ومصر تناقش مقترحاً يهدف إلى تسوية الخلاف المتعلق بإدارة العمليات في مضيق هرمز. وذكرت أن إيران وسلطنة عُمان وافقتا على المبادرة، بينما أرجأ ترمب اتخاذ موقف نهائي منها إلى ما بعد لقائه المرتقب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
كما نقلت صحيفة “نيويورك بوست” عن مصدر إسرائيلي أن نتنياهو سيطلع ترمب على معلومات تتعلق بأحدث الأنشطة النووية الإيرانية، إضافة إلى ما وصفها بأدلة على إعادة بناء برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة.
لماذا أوقف ترمب الضربات؟
ووفقاً لما نقلته “رويترز” عن مسؤول أمريكي، فإن قادة عسكريين أبلغوا ترمب بأن قائمة الأهداف المتاحة بدأت تتقلص، فيما أعرب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين عن مخاوفه من استنزاف مخزون الذخائر الجوية.
كما ذكرت شبكة “إيه بي سي” أن كين ونائب الرئيس جيه دي فانس حذرا من مخاطر توسيع نطاق الحرب، رغم تأكيد الجيش الأمريكي استعداده لتنفيذ الخيارات العسكرية المطروحة.
ونفى ترمب وجود أي نقص في الذخائر، مؤكداً أن شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية تنتج كميات غير مسبوقة، إلا أن “وول ستريت جورنال” تحدثت عن تحديات تواجهها واشنطن بسبب محدودية مخزون صواريخ الدفاع الجوي، في وقت ما تزال فيه إيران تحتفظ بترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
ويواجه ترمب أيضاً ضغوطاً سياسية داخلية قبل انتخابات التجديد النصفي، إذ أظهر استطلاع أجرته “رويترز/إبسوس” أن نحو ثلث الأمريكيين فقط يؤيدون الحرب، فيما يرى 69% أن الإدارة الأمريكية لم توضح أهداف التدخل العسكري بصورة كافية.
العقوبات… ورقة الضغط الثانية
إلى جانب الخيار العسكري، تواصل واشنطن الاعتماد على الضغوط الاقتصادية. ونقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول أمريكي قوله إن الإيرانيين “يخشون وزارة الخزانة أكثر من وزارة الحرب”، في إشارة إلى تأثير العقوبات المالية المتزايد على الاقتصاد الإيراني.
وأضاف المسؤول أن التقديرات الاستخباراتية تشير إلى مخاوف من سحب جماعي للودائع من البنوك الإيرانية، إضافة إلى نقص في الوقود وصعوبات في تمويل الأنشطة العسكرية، نتيجة الضغوط الاقتصادية.
ورغم ذلك، أقر مسؤولون أمريكيون بأن العقوبات والحصار البحري يحتاجان إلى وقت أطول لتحقيق النتائج المرجوة مقارنة بالخيار العسكري المباشر، مؤكدين في الوقت ذاته أن الإدارة الأمريكية تمتلك خيارات متعددة، سواء عبر التصعيد العسكري أو تشديد العقوبات الاقتصادية.
ويبقى القرار الذي سيتخذه ترمب بشأن المقترحات المطروحة من الوسطاء، عقب اجتماعه المرتقب مع نتنياهو، العامل الأبرز في تحديد ما إذا كانت التهدئة الحالية ستقود إلى تفاهمات بشأن مضيق هرمز، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من التصعيد.