ناس بلا أسماء: وجوه دمشق المجهولة بين الظل والشارع
ناس بلا قيود أو سجلات شخصية، ينمون بعيداً عن المؤسسات وإحصائيات السكان، أبطالهم مجهولون يقضون حياتهم في العراء، دون أن يعرفهم أحد. نظراتهم غامضة وردود أفعالهم متحفظة، لكن في أعماقهم يظهرون طيبين، لم تُمنح لهم الفرصة كي يعرّفوا أنفسهم كما يحبون.
هؤلاء هم الوجه المسكوت عنه في البلاد، كأنهم بورتريهات خارج الكادر، بلا عناوين أو جغرافيا، وكأنهم يمتلكون المدينة بكل أرصفتها وشوارعها وساحاتها العامة، ينامون حيثما يأويهم النعاس، يأكلون بلا مواعيد، ويشعرون بالامتنان إذا ما حصلوا على أي شيء.
تبدأ الرحلة من شارع الثورة، حيث يجلس رجل غامض على حافة الرصيف، بعيون زائغة وجسد يشبه الحطام. لا يتسول ولا يطلب شيئاً، فقط يحدق كأنه لا يصدق ما يرى. للوهلة الأولى، تظن أنه يرتدي حذاءً في قدميه، لكن سرعان ما تكتشف أنها طبقة سميكة من السواد تغطي يديه ورجليه. هل يعمل هذا الرجل في تزفيت الشوارع ليبدو هكذا قاتماً؟
نسأل من حوله، لكنهم يهزون رؤوسهم بالنفي. نسأل بائع الكتب القديمة عند الجسر الحديدي، إن كان يعرف شيئاً عن هذا الرجل، فيرد بأنه يظهر ويختفي دون أن يترك أثراً. المشهد سريالي، لماذا اختار هذا المكان؟ وكأنه يدير ظهره للعالم بينما يمر الناس من حوله منهمكين بموبايلاتهم، يسرعون وكأنهم متأخرون عن موعد.
نقترب منه، لا نعرف إن كان غاضباً أم حزيناً ساهماً، أو ربما ينتظر شيئاً. لكنه يرمقنا بنفس النظرة التي يوزعها على الجميع. يقول لنا أحدهم إن هذا الرجل لن يرد على أي سؤال مهما حاولنا، إنه يظهر لفترة قصيرة ثم يختفي بلا مبرر.
نتنقل بين هؤلاء الناس المجهولين، نلتقط صوراً بلا أسماء أو عناوين. ينادينا طفل صغير مذعور: “سرقوا حذائي.. وأنا جائع”. ينهمك بنزع حصى عالقة تحت قدميه. نسأله من سرق حذاءه ولماذا لم يلاحظ؟ يقول إنه كان نائماً تحت شجرة من شدة التعب والحر، فاستولى السارقون عليه. قبيلة من الأطفال المستوطنين في حديقة “المنشية” وسط دمشق تحكي القصة مع استنشاق لاصق “الشعلة” الموجود في أكياس نايلون. يقول أحدهم إن أهله ماتوا في الحرب، وإن اللاصق يجعله يشعر بالفرح والانتعاش، ويشير إلى طفل معاق تركه والده في الحديقة ورحل. تحاول مجموعة الأطفال مساعدة هذا الطفل الغريب للحصول على الطعام، لكن تأمين وجبة “أندومي” من البسطة القريبة أمر صعب للغاية.
هؤلاء أطفال، لكن الحياة عركتهم أكثر من الرجال، فظهروا مستعدين للقيام بأي شيء، انسجاماً مع حجم الهول الذي أودى بهم إلى هنا.
نلتقط صورة لطفلين على ضفة نهر النفايات خلف السور قرب ساحة باب توما. الأخ الأكبر يبدو يائساً ومتعباً، والصغير يحاول مواساته بكلمات غير مفهومة، لكن بدون رد. هل يجمعان قناني بلاستيك؟ ينظران إلينا بحذر ويصرفان وجهيهما بعيداً. نسألهما: من أنتما؟ ماذا تعملان؟ فيرمقاننا بنظرات غريبة، كما لو أننا نثير السخرية.
عدد هؤلاء الناس المجهولين في دمشق يتزايد، صورهم تتكدس في الشوارع وتحت الجسور، لا يعرف أحد عنهم شيئاً. عندما نحاول الاقتراب، يتجاهلنا مسنّ يفترش بسطة تحت جسر الثورة، يلتهم المعكرونة بأصابعه من كيس نايلون أمامه. نسأله: ماذا تبيع؟ من سيشتري أصيص ورد فارغ ومكسور؟ يهز رأسه ويعود إلى أكله. ما الذي يبيعه هؤلاء الغامضون؟ من ينتظر زبائنهم؟ هل يقارعون اليأس بهذه الطريقة أم أنهم ينتظرون معجزة تنقذهم من واقعهم المأساوي؟
المسنون طريفون حين يحدقون في الكاميرا، كأنهم صور من عصر التصوير بالأبيض والأسود. رجل بعكازين وسن واحد، وجدّة تفترش الأرض على رصيف في جرمانا تكرر “أمانة يا خالة.. أمانة” طلباً لقليل من الطعام، لكن لا أحد يستطيع سد رمقهم المنهك من سنوات الفقر.
هؤلاء الناس المجهولون أسسوا “دائرتهم” الخاصة، بلا موظفين ولا سجلات، فقط مصنفات من الصور مجهولة الأسماء، كأنها شهادة ومرجع يوثق قاع المدينة الذي لا يظهر إلا الزبد.
نعود إلى الشارع الطويل بين باب شرقي وباب الجابية، حيث فتح المسلمون دمشق، لكن رجلًا غامضًا ينام فوق البلاط بجوار سيارة قديمة. هل ظنّ أن السيارة ثابتة؟ أو اعتبرها حائطاً؟ مستغرقاً في نوم عميق، يحمل عصا خشبية وبلاستيكي أخضر فارغ وبساطًا رثًا، وأكياس نايلون. هل ينتظر قطارًا؟ أم أنه منهك من السفر فقرر الاستراحة هنا؟
صور هؤلاء الناس ترسم وجهًا مختلفًا لدمشق التي نراها في نشرات الأخبار، حيث السعادة تبدو بعيدة عن هؤلاء الغارقين في معاناة المدينة.
إلى أين يعود السوريون؟
تستمر تحركات السكان وتجدد النزوح في سوريا. وفق أحدث بيانات الأمم المتحدة (19 أيار 2025)، عاد أكثر من 1.14 مليون نازح داخليًا إلى مناطقهم الأصلية منذ كانون الأول 2024، بينما نزح نحو 677,000 شخص منذ تشرين الثاني 2024، بينهم 462,000 نزحوا حديثاً.
كما عبر نحو 507,672 سورياً إلى البلاد من الدول المجاورة منذ كانون الأول 2024، ليصل المجموع إلى 868,512 منذ بداية 2024.
ويستمر نزوح آلاف من المخيمات، حيث غادر نحو 400,000 شخص المخيمات في شمال غرب سوريا منذ ديسمبر 2024. لكن المنازل المتضررة والخدمات غير الكافية وخطر الذخائر غير المنفجرة تشكل عوائق كبيرة أمام العودة.
وفق دراسة سابقة للأمم المتحدة، تعرضت 16 مدينة رئيسية في سوريا لدمار هائل، من بينها حلب التي دُمرت فيها نحو 36 ألف مبنى، والغوطة الشرقية بـ35 ألف منزل، ثم حمص والرقة وحماة ودير الزور ومخيم اليرموك.
هذا الدمار الشامل، سواء في المدن أو الأرياف، يجعل عودة أعداد كبيرة من النازحين تمثل ضغطاً كبيراً على بلد يعيش حالة هشاشة متزايدة.