فلسطين

غارة تمزق أما وجنينها وأطفال تلتهمهم النيران.. شهادات مؤلمة من غزة

 

آخر بوست | رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لا يزال سكان قطاع غزة يعيشون تحت وطأة الغارات والقصف، في واقع يصفه الأهالي بأنه هدنة على الورق فقط. وبينما تتواصل المساعي السياسية للحديث عن مراحل جديدة من الاتفاق، يروي ناجون قصصًا مؤلمة عن فقدان عائلات كاملة، وأطفال احترقوا داخل منازلهم، وناجين حملوا عبء الشهادة بعد أن كتب لهم البقاء على قيد الحياة.

“لا إله إلا الله، الشهيد حبيب الله”… هتاف بات جزءًا من المشهد اليومي في شوارع غزة منذ إعلان وقف إطلاق النار، إذ يردده المشيعون في جنازات لا تكاد تتوقف، بينما يحملون الشهداء على الأكتاف في قطاع ما زال يعيش أجواء الحرب، وإن خفتت عناوينها السياسية.

Palestinians run for cover as smoke and fire rise during an Israeli strike on the the Al-Muttaqin Mosque in Gaza City on July 28, 2026.
الاحتلال الإسرائيلي يواصل قصف المنازل وخيام النازحين في غزة غير آبه بهدنة أو غيرها (الفرنسية)

ورغم الحديث عن الهدنة، تشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى استشهاد أكثر من 30 فلسطينيا خلال 72 ساعة فقط، في وقت تستمر فيه الغارات باستهداف منازل المدنيين وخيام النازحين، لتضيف يوميًا قصصًا جديدة إلى سجل الفقد.

ومن بين تلك القصص، استشهاد امرأة حامل بعدما مزقت غارة جوية بطنها، ليفقد جنينها حياته قبل أيام قليلة من موعد ولادته. وفي حادثة أخرى، تحولت خيمة كان شاب يدعى رمضان أبو عودة ينصبها استعدادًا لزفافه إلى مكان للعزاء، بعدما استهدفتها غارة إسرائيلية.

ويروي أحد أقاربه أنه أثناء جمع أشلاء الضحية وجد جزءًا من دماغه بين الأنقاض، قائلا إن الشاب قُتل داخل الخيمة التي كان يستعد لبدء حياته الزوجية فيها، في مشهد اختصر قسوة الواقع الذي يعيشه سكان القطاع.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى استشهاد 1249 فلسطينيا منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهو ما يجعل كثيرًا من الغزيين يرفضون وصف المرحلة بأنها “ما بعد الحرب”، معتبرين أن الموت لا يزال حاضرًا في تفاصيل حياتهم اليومية.

صرخات لم تغادر الذاكرة

من بين الشهادات التي وثقت ما يعيشه السكان، تبرز قصة الممرض محمد المصري، الذي وجد نفسه عاجزًا أمام استغاثات أبناء شقيقه الأربعة بعدما اشتعلت النيران في الغرفة التي كانوا بداخلها إثر غارة استهدفت المنزل.

ويقول إن الصاروخ أصاب الغرفة المجاورة، فقتل شقيقه فراس وزوجته على الفور، بينما حاصرت النيران الأطفال داخل الغرفة الأخرى، حيث أخذوا يصرخون طلبًا للمساعدة.

في محاولة لإنقاذهم، خلع محمد الباب الفاصل بين الغرفتين معتقدًا أن ذلك سيمكنه من الوصول إليهم وإخماد النار، لكنه أدرك بعد لحظات أن فتح الباب منح ألسنة اللهب طريقًا جديدًا للانتشار داخل المنزل، لتصل إلى الغرفة التي احتمت فيها والدته وزوجته الحامل وطفلاه.

وبعد نحو أربع دقائق فقط، خفتت أصوات الأطفال تمامًا.

يقول محمد إنه أدرك في تلك اللحظة أن أبناء شقيقه؛ نعيم وفريال وسلمى وأميرة، فارقوا الحياة حرقًا، بعدما سبقهم والداهما اللذان استشهدا جراء الانفجار.

معركة ثانية للنجاة

لم تنته المأساة عند هذا الحد، إذ بدأت النيران تمتد إلى بقية المنزل، لتصبح عائلة محمد نفسها مهددة بالموت.

سارع أولًا إلى إنقاذ والدته التي أصيبت بحروق في كتفها، ثم أوصلها إلى زوجته وطفليه، قبل أن يجد الجميع أنفسهم محاصرين داخل آخر زاوية في الشقة.

لم يكن أمامهم سوى نافذة صغيرة.

ويروي محمد أن النوافذ كانت محاطة بحماية حديدية، لكن ضغط الانفجار أحدث فتحة ضيقة لا يتجاوز عرضها نصف متر، فقرر استخدامها للخروج.

يقول إن الخيار الوحيد كان إلقاء أطفاله أولًا إلى الخارج، رغم أن الارتفاع يعادل طابقًا كاملا، ثم قفز خلفهم بعد أن ساعد السكان زوجته الحامل ووالدته على النزول.

ويضيف أنه كان يردد طوال الوقت لعائلته أن كسر العظام أهون من الاحتراق داخل المنزل، مؤكدًا أن كل ما جرى لم يستغرق أكثر من عشر دقائق، لكنها بدت بالنسبة إليه دهرًا كاملا.

ويشير إلى أنه حتى اليوم لا يستطيع استيعاب كيف تمكن من اتخاذ تلك القرارات في ثوان معدودة، أو كيف استطاع التفكير وسط ألسنة اللهب وصراخ الأطفال.

ممرض اعتاد الموت… لكنه لم يحتمل هذه المرة

محمد الذي يعمل ممرضًا اعتاد خلال سنوات عمله رؤية الجرحى والشهداء، لكنه يقول إن ما عاشه تلك الليلة تجاوز كل ما شاهده طوال حياته.

وكان قد فقد زوجته الأولى وأكبر أبنائه في استهداف سابق قبل عام، إلا أن استشهاد شقيقه وأسرته بهذه الطريقة ترك أثرًا مختلفًا في نفسه.

ويقول إنه لم يملك الشجاعة لفتح أكياس الجثامين والتعرف إلى بقايا أبناء شقيقه بعدما أتت النار على أجسادهم، لكن أصوات استغاثتهم لا تزال تلاحقه حتى اليوم.

عائلة الشهيد حسن لبد الذي ارتقى مع عائلته في استهداف منزلهم في منطقة المخابرات بينما نجت ابنته حلا حين قذفها الصاروخ بعيدًا عن الاستهداف
الشهيد حسن لبد ارتقى مع عائلته في استهداف منزلهم بينما نجت ابنته حلا حين قذفها الصاروخ بعيدا (الجزيرة)

الناجي الوحيد

وفي قصة أخرى، كان الطفل أيهم نسمان (12 عامًا) الناجي الوحيد من عائلته.

قبل دقائق من استهداف منزل الأسرة في وسط مدينة غزة، خرج متجهًا إلى منزل عمه لإحضار غرض بسيط، وبينما كان هناك دوى انفجار هائل.

عاد مع عمه مسرعين نحو المنزل، لكنهما لم يجدا سوى الركام.

ثلاثة صواريخ أصابت الشقة الصغيرة التي كانت تؤوي الأسرة، فاستشهد والده أدهم ووالدته مروة وشقيقاه يحيى وإبراهيم وشقيقته أروى، بينما نجا أيهم بالمصادفة لأنه كان خارج المنزل.

ويروي عمه وليد أن الطفل أمضى يومين كاملين يبحث بين الأنقاض عن أشلاء أفراد عائلته، ويجمع ما استطاع العثور عليه من داخل المنزل والمنازل المجاورة.

ويقول إن الإنسان قد يظن للحظة أنه ابتعد عن الموت مع إعلان الهدنة، لكنه يكتشف أن الموت ما زال يطارده بصورة أشد قسوة.

الطفلة حلا لبد الناجية من مجزرة عائلة لبد الشهر الماضي غرب غزة
الطفلة حلا لبد الناجية من مجزرة عائلة لبد الشهر الماضي غرب غزة (الجزيرة)

عائلة عُرفت بالعلم والقرآن

ويصف وليد عائلة شقيقه بأنها كانت معروفة بحفظ القرآن والاهتمام بالعلم.

وكان الابن الأكبر يحيى طالبًا متفوقًا في الثانوية العامة، يحلم بدراسة الهندسة المعمارية، وقد أخبر عمه قبل استشهاده بأيام أنه واثق من حصوله على معدل يفوق 95%.

وبعد استشهاده صدرت النتائج بالفعل، وحصل على المعدل الذي توقعه، لكن أحدًا من أفراد أسرته لم يكن موجودًا للاحتفال بنجاحه.

أما والده أدهم، فكان قد أنهى دراسة الكيمياء، ويواصل دراسة الماجستير في الحديث الشريف، فيما كانت الأسرة تعيش حياة هادئة مليئة بالطموحات قبل أن تنتهي في لحظات.

 

زر الذهاب إلى الأعلى